أحمد ايبش

149

دمشق في مرآت رحلات القرون الوسطى

فأما القبّة فما لا يجول مثلها في ظنّ ، ولا يدور في فكر . قد تعلّق رفرفها بالغمام عابثا ، وحلّق طائرها إلى أخويه النسرين يبغي أن يكون لهما ثالثا ، قد بنيت على قناطر ممتدة على قناطر ، بعقود محكمة ، وقطع صخور منظّمة ، إلى سقوف مذهبة ، ومحاسن موجزة مسهبة ، وعلى رأس القبة هلال عال في أنبوبة طول الرّمح . قد غلّفت هي وكل الأسطحة بالرّصاص . وحكّمت ميازيبه ، وجمع فيه من كل حسن غريبه . قال أبو محمد ابن زبر القاضي : سمّي باب الساعات ، لأنه عمل هناك بيكار الساعات ، يعلم بها كل ساعة تمضي . عليها عصافير من نحاس ، وحيّة من نحاس ، وغراب من نحاس . فإذا تمّت الساعة خرجت الحيّة ، وصفّرت العصافير ، وصاح الغراب ، وسقطت حصاة في الطّست . وكان في الجامع قبل حريقه طلّمسات لسائر الحشرات ، معلّقة في السقف فوق البطائن . ولم يكن يوجد في الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق . فلما احترقت الطلّمسات وجدت . ومما كان فيه طلّسم للصّنونات لا تعشّش فيه . ولا يدخله غراب ، وطلّسم للفأر ، وطلّسم للحيّات والعقارب . وما أبصر الناس فيه من هذا شيئا إلّا الفأر . وفيه طلّسم للعنكبوت . وكان حريق الجامع في نصف شعبان سنة إحدى وستين وأربعمائة « 1 » . وكان سببه أن أمير الجيوش بدر الجمالي ورد من مصر إلى دمشق في هذه السنة . فلمّا كان بعد العصر يوم نصف شعبان ، وقع القتال بين المشارقة والمغاربة ، فضربوا دارا كانت مجاورة للجامع بالنار ، فبادرت إلى الجامع . وكانت العامّة تعاون المغاربة ، فتركوا القتال وقصدوا إطفاء النار من الجامع . فجلّ الأمر وعظم ، فجعلوا يبكون ويتضرّعون .

--> ( 1 ) راجع وصف واقعة هذا الحريق في ذيل تاريخ دمشق لابن القلانسي ، 96 . ولقد وصف الجامع قبل حريقه عام 461 ه ، بأواخر القرن الرّابع الرّحالة الكبير البشاري المقدسي في « أحسن التقاسيم إلى معرفة الأقاليم » ، لا يدن 156 - 160 . ثم وصفه الإدريسي بعد الحريق ، عام 510 ه ، في « نزهة المشتاق في اختراق الآفاق » ، وابن جبير عام 580 ه .